القرطبي

263

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

( ورهبانية ابتدعوها ) أي من قبل أنفسهم . والأحسن أن تكون الرهبانية منصوبة بإضمار فعل ، قال أبو علي : وابتدعوها رهبانية ابتدعوها . وقال الزجاج : أي ابتدعوها رهبانية ، كما تقول رأيت زيدا وعمرا كلمت . وقيل : إنه معطوف على الرأفة والرحمة ، والمعنى على هذا أن الله تعالى أعطاهم إياها فغيروا وابتدعوا فيها . قال الماوردي : وفيها قراءتان ، إحداهما بفتح الراء وهي الخوف من الرهب . الثانية بضم الراء وهي منسوبة إلى الرهبان كالرضوانية من الرضوان ، وذلك لأنهم حملوا أنفسهم على المشقات في الامتناع من المطعم والمشرب والنكاح والتعلق بالكهوف والصوامع ، وذلك أن ملوكهم غيروا وبدلوا وبقي نفر قليل فترهبوا وتبتلوا . قال الضحاك : إن ملوكا بعد عيسى عليه السلام ارتكبوا المحارم ثلاثمائة سنة ، فأنكرها عليهم من كان بقي على منهاج عيسى فقتلوهم ، فقال قوم بقوا بعدهم : نحن إذا نهيناهم قتلونا فليس يسعنا المقام بينهم ، فاعتزلوا الناس واتخذوا الصوامع . وقال قتادة : الرهبانية التي ابتدعوها رفض النساء واتخاذ الصوامع . وفي خبر مرفوع : ( هي لحوقهم بالبراري والجبال ) . ( ما كتبناها عليهم ) أي ما فرضناها عليهم ولا أمرناهم بها ، قاله ابن زيد . وقوله تعالى : ( الا ابتغاء رضوان الله ) أي ما أمرناهم إلا بما يرضي الله ، قاله ابن مسلم . وقال الزجاج : ( ما كتبناها عليهم ) معناه لم نكتب عليهم شيئا البتة . ويكون ( ابتغاء رضوان الله ) بدلا من الهاء والألف في ( كتبناها ) والمعنى : ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله . وقيل : ( إلا ابتغاء ) الاستثناء منقطع ، والتقدير ما كتبناها عليهم لكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله . ( فما رعوها حق رعايتها ) أي فما قاموا بها حق القيام . وهذا خصوص ، لان الذين لم يرعوها بعض القوم ، وإنما تسببوا بالترهب إلى طلب الرياسة على الناس وأكل أموالهم ، كما قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل ( 1 ) الله ) وهذا في قوم أداهم الترهب إلى طلب الرياسة في آخر الامر . وروى سفيان الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى : ( ورهبانية ابتدعوها ) قال : كانت ملوك بعد عيسى بدلوا التوراة والإنجيل ،

--> ( 1 ) راجع ج 8 ص 122